الذكرى السنوية الثانية للسيدين الشهيدين 1448 هـ - 2026 مـ

الذكرى السنوية الثانية للسيدين الشهيدين 1448 هـ - 2026 مـ

نبذة عنه:

شارك المقال
صورة أرشيفية للسيد حسن نصر الله

هو السيد حسن نصر الله، الذي افتتح بجهاده ومسيرته عهداً جديداً من الحرية والكرامة والتحرر في التاريخ المعاصر .


هو السيد حسن نصر الله، الذي افتتح بجهاده ومسيرته عهداً جديداً من الحرية والكرامة والتحرر في التاريخ المعاصر.  قدم النموذج العملي للقائد الملهَم الذي أعاد للشعوب ثقتها بذاتها ورسّخ فيها قيم الفداء ورفض الخضوع والعيش بعزة.  جمع في شخصيته الاستثنائية بين هيبة القيادة وكاريزما الحضور، وبين عمق الرؤية الاستراتيجية ورقة التواضع والتعاطف الأبوي مع الناس.  قضى عمره الشريف في ثغور الدفاع عن لبنان وسيادته، مسطّراً الملاحم في دحر الاحتلال وكسر الهيمنة، ومزاوجاً بين مشروعية المقاومة المسلحة والدعوة الصادقة لبناء الدولة العادلة والقادرة والشراكة الوطنية الجامعة.  عاش بين أهله ومجاهديه خادماً وقائداً، وختم مسيرته بالشهادة الأسمى على طريق القدس، ليبقى اسمه منارة للإنسانية وعنواناً ثابتاً للكرامة والحرية. 

محطات موثقة:
• النشأة والتكوين
شهد يوم الثامن والعشرين من تشرين الثاني عام 1959 بزوغ فجر هذه المسيرة في حي "الكرنتينا" بمنطقة برج حمود، حيث ولد السيد حسن عبد الكريم نصر الله ليكون الابن الأكبر في عائلة مؤمنة وكادحة.  وفي أزقة الحرمان والبؤس التي لفّت حواضر المستضعفين، تفتقت روح السيد الصغير على قيم الإيمان ومساعدة والده في دكانه البسيط، مُشبعاً شغفه الشغوف بالتردد على المساجد والتزود من العلوم الإسلامية والفكر الأصيل، ومستلهماً بذور الرفض للظلم من النهضة الفكرية والمجتمعية التي أطلقها الإمام السيد موسى الصدر. 
ومع اشتعال شرارة الحرب الأهلية عام 1975، انتقلت العائلة إلى بلدة البازورية الجنوبية، حيث واصل تعليمه الثانوي وتألق بفضله وسعة اطلاعه ليُعيّن مندوباً لـ "حركة المحرومين" وهو لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره. وفي أواخر عام 1976، يمّم السيد وجهه شطر حوزة النجف الأشرف ليستزيد من معين العلم، وهناك حظي برعاية الفيلسوف الشهيد السيد محمد باقر الصدر الذي أوكل مهمة إشرافه العلمي إلى الشهيد السيد عباس الموسوي، لتولد بينهما آصرة إيمانية وجهادية تاريخية شكّلت لاحقاً النواة الصلبة لمشروع المقاومة.  وعقب حملات الاضطهاد البعثي، عاد السيد إلى لبنان عام 1978 ليمارس التحصيل والتدريس في حوزة الإمام المنتظر (عج) ببعلبك، جامعاً بين الرسالة العلمية والإعداد الجهادي. 


• تولي القيادة
مع اجتياح العدو الصهيوني للبنان عام 1982، كان السيد نصر الله في طليعة الشباب المقتحمين الذين أسسوا حزب الله ونفخوا روح المقاومة في الأمة، حيث تدرّج في المسؤوليات التنظيمية والقيادية من بيروت وصولاً إلى توليه الأمانة التنفيذية العامة وعضويته في مجلس الشورى. وفي السادس عشر من شباط عام 1992، وإثر اغتيال الأمين العام السيد عباس الموسوي، أُجمع الموقف القيادي على انتخاب السيد حسن نصر الله أميناً عاماً، ليعلن منذ خطابه الأول ثبات النهج واستمرار المأثرة وقاطعية الخيار بالاستمرار في المقاومة مهما عظمت التضحيات. 
ولم تكن القيادة لديه مجرد إدارة للميدان، بل كانت تجسيداً حياً لمعنى القدوة؛ ففي عام 1997 قدّم نجله البكر هادي شهيداً في مواجهات جبل الرفيع، لينضم السيد وعائلته شرفاً إلى ركب عوائل الشهداء متوجهاً بالشكر للباري على هذه النعمة. وتحت قيادته الحكيمة، تصاعدت العمليات النوعية التي أثمرت النصر التاريخي بدحر الاحتلال في أيار عام 2000، ثم تلاها بعبور ملحمي في حرب تموز 2006 ليُفشل مشروع "الشرق الأوسط الجديد" ويُهشم أسطورة الجيش الذي لا يُقهر. كما أدار باقتدار استثنائي صفقات تحرير الأسرى العظام، وقاد معارك الردع وحماية الثروات الوطنية ورسم قواعد الاشتراك والردع البحرية والاقتصادية التي حمت لبنان وحصنت سيادته. 


• قائد سياسي وديني
تجليّت في السيد نصر الله قيادة استثنائية مزجت بين عمق المفهوم الفقهي والديني، وبين البصيرة السياسية والرؤية الاستراتيجية الثاقبة. طوّر من خلال خطاباته منظومة مفاهيمية نهضوية أصلّت لمفهوم الشراكة الوطنية وحماية الدولة، مُثبتاً أن المقاومة ليست بديلاً عن مؤسسات الوطن بل هي الدرع الحامي لكرامته وسيادته. 
وكان يُدرك بحسه الثاقب خطورة المعركة الإعلامية، فأطلق رؤى تأسيسية في ترسيخ "جهاد التبيين" ومواجهة التضليل، حتى غدت كلماته مدرسة في الصدق والحرب النفسية التي تحسب لها عروش الأعداء ألف حساب، ومصدر إلهام وثقة لدى الشعوب الحرة ونخبها ومستضعفيها على حد سواء. 

الخطاب والحضور:
    مقولات إستراتيجية للسيد الشهيد:
تُبرز الخطابات والمناسبات التاريخية الرؤية الإستراتيجية للسيد حسن نصر الله في إدارة الصراع ورسم قواعد المواجهة وقراءة المستقبل: 
•    الخطابات المبكرة والتأسيسية (1986 - 1988):
o    العهد (1986 - 1987): استشرف مبكرًا خطورة "الحرب الاقتصادية وحصار الدولار" واعتبرها مؤامرة سياسية لإخضاع الشعوب وجعلها تقبل بحكامها القتلة مقابل رغيف الخبز. كما أكد أن مواجهة الكيان مسؤولية أمة كاملة ستؤدي حتمًا إلى زواله. 
o    العهد (1988): حذر من مخططات إغراق الساحة اللبنانية والعربية في الدماء عبر إثارة الفتن الداخلية. 
•    خطابات التسعينيات ومرحلة تثبيت المعادلات (1991 - 1997):
o    العهد (1991 - 1992): حذر من مشروع "إسرائيل الكبرى" الاستهدافي للمنطقة، ونبه من مخططات انقلاب المفاهيم لتخوين المقاوم وتلميع العميل، وكشف عن أهداف العدو من التصعيد لإحداث شرخ بين المقاومة وشعبها. 
o    جريدة السفير (1997): جزم بسقوط مسارات المفاوضات والتسويات، مؤكدًا أن لا حل للقضية الفلسطينية إلا بالانتفاضة والمقاومة. 
•    خطابات المواجهات الفاصلة والفتن (2005 - 2012):
o    خطاب بعلبك وتأسيسية محرم (2005): حذر من استراتيجية "الفوضى المنظمة" الأمريكية لتقسيم المنطقة طائفيًا، واعتبر التكفير باب الشر الكوني للأمة. 
o    حفل تخريج الجامعيين (2006) وحفل إفطار (2008): شدد على أن المقاومة هي حالة شعبية لا تتوقف ولا تسقط باغتيال القادة والرموز، وحذر من المساعي لتخوين المجاهدين ومحاكمتهم. 
o    تكريم أبناء الشهداء (2012): كشف عن أبعاد الحرب الثقافية و"احتلال العقول" لمنع الأجيال الشابة من صعود منصات الصواريخ. 
•    خطابات تحولات المنطقة وطوفان الأقصى (2018 - 2024):
o    يوم القدس ومقابلة العالم (2018 - 2019): أكد أن بقاء الكيان مرتبط كليًا بالدعم الأمريكي وأن تراجع الهيمنة الأمريكية سيؤدي لرحيل المستوطنين تلقائيًا، وحذر من التبرير الديني للتطبيع. 
o    عيد المقاومة والتحرير ويوم الشهيد (2021): أعلن سقوط صفقة القرن، وحذر من "النسخة الثالثة للمؤامرة" القائمة على العقوبات والتجويع لإسقاط البيئة الحاضنة. 
o    الذكرى 30 لمؤسسة التعليم وموقف محرم (2023): حذر من الحرب الناعمة وإفساد العقول عبر فرض المناهج المروجة للمثلية لضرب القيم الإنسانية. 
o    خطابات التشييع ومعركة طوفان الأقصى (2024):
    تأبين القائد طالب عبدالله وتشييع القائد فؤاد شكر: هدد بالذهاب إلى الجليل، ونبه لمخاطر مشروع نتنياهو بالتوسع وإلغاء وجود الشعب الفلسطيني. 
    خطاب مجزرة "البيجر واللاسلكي": جزم بفتح واستمرار جبهة الإسناد، وأكد أن الضربات القاسية لا تكسر البنية ولا الإرادة ولا نظام القيادة والسيطرة للمقاومة. 
    حب الشهادة في كلمات شهيد الأمة:
تُبرز الكلمات والمناسبات البعد الفلسفي والروحي والوجداني لمفهوم "عشق الشهادة" والتضحية لدى السيد الشهيد: 
•    الكلمات التأسيسية وإرساء المفهوم الروحي (1984 - 1988):
o    محاضرات وخطابات (1984 - 1985): أرسي الفهم الروحي معتبرًا أن الشهيد يتجاوز التكليف المباشر إلى علاقة العشق الإلهي والشوق للرحيل، وأن العملية الاستشهادية تنبع من العشق والارتباط بالله وليست مجرد حديد ومتفجرات. 
o    خطابات العهد (1986 - 1988): أصل للفهم الفلسفي معتبرًا الشهادة "الحياة الحقيقية" وأن من يقدم روحه هو الرابح ومن يبقى هو الخاسر. كما كرس مقولات الإمام الحسين وعلي الأكبر ("القتل لنا عادة"، "لا نبالي أوقعنا على الموت أم وقع الموت علينا") لتطبيع الموت الشريف في وجدان الأمة. 
•    تجسيد التضحية الشخصية وشهادة نجل القائد (1997):
o    خطابات تأبين واستقبال المهنئين بالشهيد هادي نصر الله (1997): شكلت نقطة تحول عملية ألغت المسافة بين القائد وجمهوره؛ حيث تحول من موقع المنظر إلى موقع "الأب لشهيد"، معلنًا الافتخار بشهداء أهل بيته ورافضًا أي تمييز لنجله في التبادل، مما منح مقولاته عن التضحية مصداقية مطلقة. 
•    الالتزام بالنهج واستلهام كربلاء (2006 - 2017):
o    وجدان حرب تموز (2006): استلهم شعار الإمام الحسين "هيهات منا الذلة" كخيار وجودي يرفض الاستسلام ويرى في "مصارع الكرام" قمة العز والشهادة. 
o    خطاب ما بعد حرب تموز (2006) ويوم الشهيد (2008): صرح بضمير المتكلم المفرد بأن طموحه الشخصي وأغلى أمانيه أن يختم حياته بالشهادة لا بالخيانة، موضحًا أن شهادة القادة تخلق حياتين (للمقاومة وللشهيد). 
o    مقابلة التلفزيون الإيراني (2017): قدم الاعتراف التصريحي المباشر والأوضح بقاطعيته: "لا شك بأنني عاشق للشهادة"، مع إبراز الحكمة الإدارية والأمنية بعدم تقديم انتصار مجاني للعدو. 
•    خطابات الوفاء والاستعداد الدائم (2018 - 2024):
o    المناسبات التأبينية للقادة الشهداء (2018 - 2023): كرر التعبير عن شعور "الغبطة" للشهداء القادة (كالحاج قاسم سليماني)، معتبرًا الشهادة وسامًا إلهيًا ورزقًا يُسأل ويُرجى، وأن سر قوة المقاومة يكمن في هذه الروحية السارية بين مجاهديها وعشاق الشهادة. 
o    الخطابات الميدانية والشخصية (2013 - 2024): أكد التزامه البدني والمعنوي بالتقدم للصفوف الأولوية بالقول: "إذا احتاجت المعركة... أن أذهب أنا وكل حزب الله إلى سوريا، سنذهب"، مرسخًا مفهوم "ومنهم من ينتظر" كحالة ترقب مستمرة لنيل وسام الشهادة وإكمال طريق الشهداء. 


لبنان والمنطقة:
شكل السيد حسن نصر الله صمام أمان لوحدة لبنان الوطنية، حيث كرس المعادلة الماسية "جيش وشعب ومقاومة" لحماية الأرض والحدود من أطماع العدو الصهيوني وخطر الجماعات التكفيرية، وكان دائماً السباق إلى مد يد الحوار والتضامن الأخوي في أعتى الأزمات السياسية والاقتصادية. 
أما على المستوى الإقليمي، فقد تجاوزت قامته الحدود الوطنية ليغدو العمود الفقري والمهندس الأساسي لـ "محور المقاومة" الممتد من فلسطين إلى لبنان وسوريا والعراق واليمن وإيران. وظلت فلسطين بالنسبة إليه القضية المركزية والبوصلة التي لا تحيد، فصاغ بدمه وفكره أسمى صور التكافل الجهادي، وقاد منذ الثامن من تشرين الأول 2023 جبهة الإسناد لنصرة غزة وأهلها، محطماً كل الضغوط الدولية ومؤكداً أن هذا خيار إيماني وإنساني حاسم لا تراجع عنه. 

الأثر والرحيل والذاكرة:
في السابع والعشرين من أيلول عام 2024، توّج السيد حسن نصر الله مسيرته الحافلة بالجهاد، فارتقى شهيداً أسمى في قلب الضاحية الجنوبية لبيروت إثر غارة صهيونية غادرة استهدفت المقر القيادي أثناء إدارته لمعركة الدفاع والإسناد. نال السيد أمنيته المتجددة بالعروج إلى الله في موقع القيادة والميدان، بعد أن أسس مدرسة فكرية وجهادية عصية على الاندحار وخالدة عبر الزمن. 
وقد حفر رحيله حزناً عميقاً في وجدان الأمة، ونعاه كبار القادة والمراجع كـ "شهيد الإنسانية" و"القائد الاستثنائي الذي قل نظيره". رحل السيد بجسده، لكنه ترك خلفه نهجاً حياً، وجمهوراً مقاوماً يحمل دمه ورايته، وشعاراً يتردد في أفق الحرية إلى الأبد: "هيهات منا الذلة".